الجزء 2 “إمام مسجد السوق” الفصل 1 بعنوان “تلك الأيام”

الوالد هو السيد جواد الخامنئي من أسرة علمية معروفة في تبريز، ولد في النجف سنة 1313هـ، والده السيد حسين الخامنئي كان إمام المسجد في تبريز.
أقف قليلاً عند الجدّ، درس السيد حسين في النجف عشرين عاماً، وكان من تلاميذ الفاضل الشربياني والشيخ حسن المامقاني والد الشيخ عبد الله المامقاني، وعاد من النجف إلى تبريز سنة 1315هـ، أي بعد ثلاث سنوات من وفاة الميرزا الشيرازي، وتوفي سنة 1325هـ بعد شهور من الحركة الدستورية، فشيّع في تبريز، ثم نُقل جثمانه إلى النجف، ودُفن في مقبرة وادي السلام، وهو أبو زوجة الثائر الخياباني المعروف، فزوجة الخياباني عمتنا.
يذكر الوالد عن جدنا السيد حسين أنه كان ينام أول الليل بعد العشاء، والأبناء مشغولون باللعب، ثم يستيقظ قبل ساعتين من طلوع الفجر للعبادة والمطالعة، وكانت أكثر مطالعاته قبل طلوع الفجر.
كان من أعلام العلم، وكثر من علماء تبريز قد تتلمذوا عنده في النجف، وعندما عاد إلى تبريز تخلى إمام المسجد في هذه المدينة وهو من عائلة “مجتهد” عن إمامة المسجد، وسلمها إلى أستاذه السيد حسين.
عمنا السيد محمد الخامنئي كان معروفاً في النجف باسم السيد محمد ييغمبر، ومشهوراً بقضاء حوائج الناس، وكان من خواص حاشية الآخوند الخراسانس والسيد أبي الحسن الأصفهاني.
أذكر أني حين سافرت إلى النجف سنة 1377هـ قابلت الشيخ حسين آقا الإبن الأصغر للآخوند الخرساني، فعرفني، وأثنى على عملي كثيراً، وقال: أنا كنت واحداً من الأركان الأربعة في إدارة أعمال عمك.
أعود إلى الوالد.. كان معروفاً بالفضل والعلم والإجتهاد، تخرج على يد كبار العلماء مثل ميرزا النائيني وأبي الحسن الأصفهاني، وكان عفيفاً ذا حياء مترافعاً عن المال والمتاع.
كان إمام مسجد في وسط السوق في مشهد، حيث الكبسة والتجار وأصحاب المال، لكنه كان متعففاً عن النظر إلى مافي أيدي الناس، ويكره ذلك، فبلغ الذروة في إباء طبعه.
أحبَّ العزلة، وما كنتُ أميل لطبيعته هذه، وتعلمت منه ما يخالفها، وكان يدخل المسجد مطأطئاً رأسه، رامياً ببصره على الأرض، متجهاً مباشرة إلى المحراب دون أن يتحدث مع أحد من المصلين، وهناك كان يرفع نظارته، ويلقي بذؤابة عمامته تحت حنكه عملاً بالسنة، ويصلي بالناس، ويخرج بطريقة دخوله نفسها.
وفي المجالس، كان يبقى صامتأً، إلا إذا طُرح عليه سؤال، ولا يتحدث إلا مع الخواص من أصدقائه العلماء، ولا يقتحم مناقشة إلا في البحث العملي، وكانت نتيجة هذه العزلة الفقر الشديد.
فقد كان يضطر أحياناً لبيع كتبه من الفقر، مع أنه كان مغرماً بها ويعشقها، كان لا يرتاح إذا رآنا نتصفح كتبه، وإذا رأى في يد أحد كتب من مكتبته يقول بلهجة الحادب على الكتاب المتلهف للمحافظة عليه: ماهذا؟ ضعه رجاء في مكانه! ومع ذلك اضطر أحياناً لبيع بعض كتبه كي يوفر ما نسدّ به رمقنا.
كان يذهب إلى رفوف المكتبة فيأخذ الكتاب من أجل أن يبيعه، ثم يعز عليه بيعه، فيعيده إلى مكانه، ويأخذ الثاني والثالث، حتى يقع الإختيار مرغماً على بعضها، فيأخذها ويقول لأحدنا: خذ هذه الكتب إلى الشيخ هادي، وبعها له.
والشيخ هادي كان معروفاً بشراء أي كتاب يعرض عليه، فيضعه في حانوته، ثم لا يبيعه إلا بسعر باهظ.
كان يقول: أنا معروف بالغلاء في البيع، لذلك لا يشتري مني إلا من هو مضطر لشراء الكتب، والمضطر يشتري الكتاب مهما غلا ثمنه! هكذا كان الشيخ هادي يشتري ويبيع.
أذكر أننا نحن الأبناء كنا نذهب إلى بيت جدنا السيد الميردامادي، فيعطينا ريالاً أو نصف ريال كما يعطي الأجداد والأباء أبناءهم، وهو مبلغ ضيئل، ولكن، صادف أن اضطرت الوالدة لأخذ هذا المبلغ الضئيل منا لتشتري به ما يسدّ جوعتنا في العشاء.
لقد شاهدت من الفقر في بيت والدي ماقلّ أن يشاهد مثله عادة في بيوت العلماء، والوالد لم يكن يذكر حالة فقره وفاقته لأحد قط، بل بالعكس كان يحسبه الناس غنياً من التعفف والإهتمام بالمظهر.
كان في الصيف لا يلبس من العباءة إلا الخاجية، وهي من أغلى أنواع العباءات، وتأتي بعدها نوع المخلوط ثم المكينة.
وفي الشتاء كان يرتدي عباءة نائين، وهي أنفس من عباءة الماهوت المألوفة بين العلماء، أما قباؤه فكان يضطر لترقيعه أحياناً لأنه مستور تحت العباءة!
كان الوالد يشملني بحبه الخاص، ويأنس بي في أسفاره.
لقد أُصيب مرة بالعمى ثم شفي، وكان يواصل علاجه في طهران، فسافر إليها، ثلاث مرات، ولم يرتض أن يكون معه غيري، كنت في سنة 1384هـ 1964م حيث كتب إليّ الوالد أن أذهب إلى مشهد لأصطحبه إلى طهران، غير أني تأخرت في الذهاب إلى مشهد بسبب مهمة كان يجب أن أؤديها في زهدان، ترتبط بأمور الدعوة.
ذهبت إلى زهدان، واعتُقلت هناك، وكان همّي الأول لدى الإعتقال والدي الذي لا يروم السفر دوني.
أذكر أني كنت جالساً في الطائرة رهن الاعتقال لنقلي من زهدان إلى طهران، فتذكرت الوالد، فإذا بالهم يعتصر قلبي، والإضطراب يموج في نفسي بشكل عجيب، قلت في نفسي: إذا كان حالي على هذا الوضع وأنا في الطائرة، فكيف سيكون إذا دخلت المعتقل؟!
توسلت إلى الله سبحانه وتعالى، وتضرعت إليه أن يسكن قلبي، غفلت عن الأمر دقائق، ثم عدت وتذكرت الوالد فرأيت أني أذكره هذه المرة دون تلك الحالة من القلق والإضطراب، حالة الحنين والشوق والترحم كانت موجودة في قلبي، ولكن مع سكينة لا أزال أتذكر حلاوتها بشكل واصح حتى الآن، وشكرت الله سبحانه أن استجاب لدعوتي وتفضل عليّ بإنزال السكينة، وهي نعمة لا يعرفها إلا من عانى من القلق والإضطراب.

شاهد أيضاً

بالفيديو.. حسين مرتضى يوجه رسالة للذين تركوا سوريا

بث الإعلامي خضر عواركة مقطع فيديو عبر صفحته على موقع فيس بوك، أجرى من خلاله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *