الجزء 4 “المعلم القاسي” الفصل 1 بعنوان “تلك الأيام”

من مذكرات الإمام الخامنئي باللغة العربية “إن مع الصبر نصرا”

بدأت حياتي الدراسية في الكُتّاب، وقُدّر لي أن أتعلم في اثنين من الكتاتيب قبل أن ألتحق بالمدرسة الابتدائية.
كان على رأس الصف الأول إمرأة، دخلته وأنا في الرابعة من عمري، وكنت أميل إلى الإنزواء، وأراني غير منسجم مع الدرس، وقد يعود ذلك إلى ضعف بصري كما سأذكر، مايرتسم في ذهني الآن عن هذه المرحلة أكثر من غيره سوء الأساليب التعليمية والتربوية، لم يكن ثمت منهج تعليمي، وكانت القسوة التي لا مبرر لها هي المسيطرة على الكُتّاب.
أتذكر أن الشيخة كانت تذهب أحياناً إلى بعض المناسبات، فتترك مكانها جارتها رباب، وهذه كانت تتفنن في ملئ وقتنا بالتوافه، منها أنها كانت تصفنا في طابور، ثم تأخذنا إلى زوجها، وكان مُقعداً، فمنر عليه الواحد بعد الآخر ليضربنا على أكفنا بعصاً كانت بيديه! كان أخي الأكبر معي في هذا الكُتّاب.
وفي سنة 1364هـ / 1943م، وحين كنت بين الخامسة والسادسة، نقلنا الوالد إلى كُتّاب آخر يقع في غرفةٍ بمسجد، حجرةُ الدرس كانت مظلمة على ما أتذكر، ولعل هذا الانطباع يعود إلى ضعف بصري أيضاً.
احتفى هذا المعلم بنا كثيراً، وأجلسنا على يساره، وكنا موضع اهتمامه دائماً، ابتدأت أنا وأخي في هذا المكان بدراسة جزء “عمَّ”، وكان المعلم يبدأ بتعليم الحروف الهجائية العربية، ثم يليها الجزء الثلاثون من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الناس.
كان المعلم قاسياً غليظاً في تعامله مع غيرنا من التلاميذ، وما أحمله في ذاكرتي الآن عن هذا الكُتّاب هو غلظة الرجل، والبرد، والظلمة، كنت أقطع الطريق من البيت إلى محل الدرس بحذاء مثقوب يتسرّب منه الوحل إلى رجليَّ في الشتاء.
والغريب من عاداته أنه كان يصفّ الطلاب يوم الخميس قبل الإنصراف، ويقول لهم: سأختم تحت ألسنتكم، فمن حافظ على الصلاة يوم الجمعة سيبقى الختم على لسانه وإلّا سينمحي، ثم يأخذ خاتماً ويصعه في الحبر، ويطبع به تحت لسان كل تلميذ!
في صباح السبت تقوم القيامة، يقف الطلاب في طابور وألسنتهم تمتد للتفتيش، ويقع بعضهم تحت طائلة العقاب الشديد، كنت أقف في الطابور مع التلاميذ، وأبكي خوفاً، لا من الضرب، لأنه كان يحترمنا ولا يضربنا، بل من هول المشهد!

شاهد أيضاً

الجزء 5 ” الأبوذيّة ” الفصل 3 بعنوان “ضفاف دجلة”

من مذكرات الإمام الخامنئي باللغة العربية “إن مع الصبر نصرا” في سجن “قزل قلعة” سنة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *